بحماسةٍ للغوص في الكيفية التي يغيّر بها الذكاء الاصطناعي أنماط التفاعل الاجتماعي، والخوض تالياً في التساؤلات الوجودية حول اتجاهات تطوّر المجتمعات في السنين المقبلة، ملأ الطلبة قاعة الفضاء الأمريكي في الجامعة الأمريكية في بغداد ليشاركوا في المحاضرة التفاعلية التي نُظِّمت بالتعاون مع السفارة الفرنسية، حيث تحدّث د. هوبرت إتيان، الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الرقمية، والمدير التنفيذي لشركة ” Quintessence AI”.
بحضور الملحقة بالسفارة الفرنسية لشؤون التعاون العلمي والأكاديمي، السيدة بولين لابوانتي، وأعضاءٍ من الكادر التدريسي والإداري في الجامعة ومهتمين، تطرّق د. إتيان إلى العديد من المسائل والإشكاليات التي تطرحها ثورة الذكاء الاصطناعي الوليدة، بما يحفّز الفكر وربما يطرح المزيد من الأسئلة للبحث والتأمل، عوضاً عن تقديم إجاباتٍ قاطعةٍ ومحدَّدةٍ بدقة عن تلك الأسئلة المعقدة والمبهمة إلى حدٍّ ما، كالتي يواجهنا بها الأفق الغامض للاجتماع البشري في عصر الذكاء الاصطناعي.
استهل الباحث عرضه بالاعتراف بالمخاوف المُثارة غالباً حول الموضوع، قائلاً إن “الخوف من الاستبدال (الوظيفي) مشروعٌ بالنسبة للكثير من الناس”، نتيجة فورة الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ وكذلك الأمر بالنسبة للقلق من الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في طلب المعرفة، بل في اتخاذ القرارات على العديد من المستويات، ما يؤدي، في الكثير من الحالات، إلى ما يتجاوز الاعتماد المفرط إلى القصور في الوظائف الإدراكية، وأيضاً المضاعفات النفسية. في هذا السياق، صاغ د. إيتيان على نحوٍ واضحٍ الخطر الحقيقي جداً الذي يتهدّد سمتين أساسيتين وجوهريتين من سمات الفكر البشري، بل من سمات الحالة الإنسانية عموماً، وهي “القصد والتواصل الإنساني”.
تحدّث د. إتيان كذلك عن الاحتمالات اللامتناهية والآفاق الجديدة التي من شأن الذكاء الاصطناعي أن يفتحها أمام الحضارة الإنسانية، مشيراً في الوقت عينه إلى المخاطر الجسيمة الناشئة عن الفرص إياها. إن نماذج الذكاء الاصطناعي التي تزداد قوةً باضطراد ويتوفّر لها كمٌّ غير مسبوقٍ من المعلومات، والتي تعزّزها ترتيباتٌ مثل “الحوار التوليدي” أو “الحوار التركيبي”_ وهو حوارٌ بين نموذجين أو “توأمين” من نماذج الذكاء الاصطناعي، قد يجلب إلى الوجود كياناتٍ واعيةٍ (ما يُعرَف بالذكاء الاصطناعي العام) قد تتجاوز الوعي البشري بشكلٍ يخلق واقعاً يعجز المجتمع البشري عن فهمه، ناهيكم عن إدارته. مثالٌ على ذلك هو الظهور المحتمل لـ “نوعٍ جديد”، هو “البشر المعزَّزون” (عبر الشرائح العصبية أو الوصلات العصبية، كأمثلةٍ فقط)، وما يترتّب على ذلك من تداعياتٍ اجتماعية، سياسيةٍ واقتصاديةٍ وغيرها، ما يفرض التساؤل حول مشروعية الخيارات الفردية، في مقابل الخيارات الاجتماعية، في هذا الصدد، وفقاً للباحث نفسه.
